بقرة الخليج بين الثعلب الأمريكي والذئب الفارسي

لا يزال البعض يعيشون في كهوف الماضي، رغم ارتدائهم أحدث صيحات الموضة والماركات العالمية، إلا أن نظاراتهم التي يرون بها الدنيا لاتزال محمّلة بظلال غبش الماضي والمصكوكات المحفوظة منه. والغريب أن هذه النظارات ترى الشيء نفسه بأكثر من صورة وبالتالي تتخذ مواقفًا عابرة كظلال الغيم، فما بين النظر إلى أمريكا والغرب باعتبارهم الشيطان الأكبر، والداعم الاول للكيان الإسرائيلي، وما بين النظر إلى إيران مرة باعتبارها العدو الفارسي للعرب تبعًا لمقولات مطمورة في القلوب منذ أكثر من ألفي عام، وفي صورة تالية هي العدو الشيعي لأهل السنة في معظم دول الخليج وبقية الدول الإسلامية، وصورة ثالثة ويتبناها الراديكاليون من المتدينين العرب وغيرهم حتى من العلمانيين؛ وهي أن أي انتصار لإيران في مواجهة إسرائيل هو انتصار للأمة الإسلامية. وهكذا لطالما كان المعتقد الديني هو المحرك الأول للسياسة في منطقتنا؛ فإن خلط الأوراق هو سيد الموقف، وعدم وضوح الرؤية لا محالة.
والرائي الحق الذي تخلص من عبث الانتصار للأمور والأحداث من منظور ديني، قد تتضح له الصورة ولو قليلاً؛ بالرجوع إلى العام 1979 حين تم إعلان قيام دولة الملالي في طهران بعد إسقاط نظام الشاه عقب أحداث الثورة الإيرانية التي تمت مساندتها من قبل الدول الغربية وعلى رأسها فرنسا التي آوت الخميني وآوته وجاءت به إلى طهران وتم تنصيبه مرشدًا عامًا للثورة الإيرانية، وذلك لم يكن ليتم بصورته بل ويستمر إلا بالدعم الكامل من الإدارات الأمريكية المتعاقبة.
ولا تألو مراكز البحث الاستراتيجي الأمريكية جهدًا في قراءة أحوال المنطقة، لتمهيد الأرض دومًا لحماية أمن إسرائيل خاصة بعد انتصار المصريين على جيش الكيان الذي (كان) لا يقهر في السادس من أكتوبر 1973؛ حيث برزت في العام 1974 أفكار هنري كيسنجر وزير الخارجية الأمريكية بضرورة تحقيق الطوق النظيف حول إسرائيل، ومفاد هذه النظرية أوتلك الأفكار أنه لا بد بطرق غير تقليدية القيام بتقليم أصابع القوة حول إسرائيل؛ وتعني ضرورة تكسير الجيوش العربية القوية الثلاثة في المنطقة (الجيش المصري والجيش العراقي والجيش السوري) ولئن كان البعض يرى أن ما سمي زورًا بثورات (الربيع العربي) بدءًا من نهايات العام2010، وبدايات العام2011؛ ماهو إلا بداية الربيع العبري أو على الأقل ذروة تحققه، خاصة وأن هذا الربيع بدأ قبل ذلك بحوالي 21عامًا بالتحديد في العام1990 حين أوْعَزت الإدارة الأمريكية لصدام حسين باحتلال الكويت، وما أن دخل المصيدة حتى تنادت جيوش التحالف الغربي ومعها بعض القوى العربية للأسف وانتهى الامر في العام2003 بتحقيق الخطوة الأولى من الربيع العبري أوالطوق النظيف حول إسرائيل وذلك بسقوط بغداد، وبدأ تكسير الجيش العراقي، حيث كانت أولى قرارات “بول بريمر” رئيس التحالف والحاكم المدني الأمريكي للعراق آنذاك بحل وتسريح أحد أكبر ثلاثة جيوش عربية في المنطقة، ولأصحاب ذاكرة السمكة أقول؛ تذكروا أن أموالًا عربية دُفعت لتحقيق هذا الغرض الأمريكي الإسرائيلي!
ولم تكن إيران بطبيعة الحال بعيدة عما حدث، بل وبمساعدة أمريكية صار الوجود الإيراني داخل العراق منذ ذلك الوقت أمرًا عاديًا، بل وانتقاميًا من حرب الثماني سنوات التي خاضها نظام صدام حسين ضد التمدد الفارسي، ولقبه كثير من العرب وخاصة أبناء الخليج بأنه حارس البوابة الشرقية للأمة العربية ضد التمدد الشيعي وسط الأغلبية السنية. أمريكا لعبت على هذه التناقضات وكسبت طوال الوقت، ففي كل الحروب هي تاجر السلاح الأول الذي يمد هذا وذاك. أيضًا تفتق الذهن الاستراتيجي الأمريكي عن وجود إيران كقوة أو فزّاعة لاستحلاب لبن البقرة الخليجية، هذا الطرح كان مرهونًا بعدم التعرض لإسرائيل. ولنلاحظ أنه كلما هدأت الأمور، تعود السياسة الأمريكية وتشعلها مرة أخرى، وتغض الطرف عن ضرب مصالح وأهداف تخصها في هذه الدولة الخليجية أو تلك، بل وتضرب أهدافًا هنا وهناك، حتى قواعدها في بعض الدول الخليجية لم تسلم من ذلك، بما يجلي الصورة من زاوية أولى أمام العالم أن إيران معتدية لتبرير أفعالها في العمق الإيراني، رغم أن أمريكا والغرب لم يحركوا ساكنًا طوال عشرات السنين وإيران تحتل جزرًا عربية! ومن زاوية ثانية أمام العرب تتكبر الصورة وتظل إيران هي العدو الأول أوالفزاعة الكبرى للدول الخليجية.
ولم يكن لدى جمهور المتفرجين وكثير من منظري الفيسبوك العرب سوى الرطان بجمل وعبارات من عينة: اللهم انصر إيران الإسلامية ضد الصهيونية والإمبريالية” هكذا بنى الكثيرون تحليلاتهم ونتائجها على مجرد فيديوهات من هنا أوهناك، وانساقوا وراء مصداقية كاذبة توهموها دون أن يعودوا بذاكرتهم للعام2001، الحادي عشر من سبتمبر حين تم تفجير برجي التجاري العالمي في نيويورك بطائرات قيل أن من استخدمها كانوا إرهابيين من عدة دول عربية! ولم يُجب أحد حتى الآن على السؤال البدهي: هل تم اختراق ترسانة الرادارات والمراقبة وأجهزة الاستخبارات الأمريكية بهذه السهولة الهوليودية؟! يُقرأ الأمر إذن بنتائجه او بما تلاه من أحداث؛ إذ أنه وبدون مبررات تُذكر تم احتلال العراق وتدمير قوتها بعد ذلك بعامين!
إذن مسلسل الطوق النظيف حول إسرائيل لا يزال يتم تنفيذه، وتم استكماله جزئيًّا بعد هدم القوة العسكرية العراقية وتبديد اقتصادها، بتدمير الجيش السوري عبر 13عامًا من الحرب ضد مقاتلين ودواعش من أكثر من 60جنسية كانت تدعمهم أمريكا، وللأسف أيضًا بأموال بعض الدول الخليجية التي اعترف أحد مسئوليها أنهم صرفوا 137مليار دولاربحجة ضرورة إسقاط بعض الأنظمة الديكتاتورية العربية ومنها بالطبع نظام بشار الأسد، وكانت النتيجة احتلال إسرائيل لأجزاء كبيرة من الأراضي السورية في الجنوب، وكذلك استولت تركيا على محافظات بأكملها في الشمال السوري!
ويبدو أن الكثيرين من العرب- بعلم أوبدون علم- يصدقون تلك الروايات الأمريكية؛ خاصة تلك التي تشتمل عليها تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لتلبيس الأمور وجر الدول العربية للتطاحن مع إيران، وهو بالتأكيد الفائز سيبيع السلاح لكل الأطراف المتصارعة. وحسنا فعلت الدول الخليجية حين لم تستمع إلى تصريح الفخ أوالشَّرَك: “وأشكر السعودية والإمارات والبحرين وقطر والكويت على دورهم ومساعدتهم لنا في الحرب” الخليجية لأنها تقف معنا في الحرب ضد إيران” لكن حصافة بعض القادة الخليجيين جعلتهم وكأنهم لم يسمعوا شيئًا، إذ أنهم فطنوا أنه يريد جر أقدامهم إلى وحل الحرب، وينفد هو من الحرب التي تورط فيها، ويصير الأمر إلى مجرد حرب مذهبية إقليمية بين دولة شيعية فارسية ودول سُنّيّة عربية.
حسنا إذ انتبه القادة العرب إلى عدم الانجرار وراء هذا المسخ البرتقالي الذي لا يهمه توريطهم في حروب لن تنتهي، وفي نهاية الأمر هو الرابح ببيع السلاح وعرض المساعدات الأمنية على بعض الدول بحجة حمايتها من خطر الهجوم الإيراني عليها.




